الدستور في تونس منذ القديم إلى اليوم
        دستور 1861 وتأثيره في الحركة الوطنية  
   
   
 

لقد شكّل صدور دستور 1861 واحدا من أبرز الأحداث المسجلة في التاريح السياسي الحديث للبلاد التونسية. فهو يعدّ أوّل دستور عربي حديث جاء مكرسّا لعديد المبادئ والمؤسسات السياسية والإدارية الهامّة. كما مثل هذا الدستور ، بد انتصاب الحماية الفرنسية في تونس، مطلبا من أهم مطالب الحركة الوطنية وفكرة مرجعية في النضال والكفاح حتى أن تسمية "الحزب الحرّ الدستوري التونسي" الذي قاد معركة تحرير البلاد من الإستعمار اقترنت بالدستور. وكان الزعماء والمناضلون ينادون بإعادة العمل بدستور 1861 وببعث برلمان تونسي.

 

ومن أهمّ المادئ التي كرّسها دستور 1861 في المجال التنفيذي :

 

الحدّ من سلطة الباي

 

كانت سلطة الباي، قبل صدور دستور 1861، مطلقة لا يقيّدها أي حدّ، لكنّ هذا الدستور أخضعها لمبدإ المشروعية (le principe de la légalité ) المقتبس من الفكر الليبيرالي الغربي.

وعلى هذا الأساس نصّ دستور 1861 على إمكانية إقرار مسؤولية الباي السياسية أمام "المجلس الأعلى" من أجل مخالفته للقوانين. فقد جاء في الفصل 11 من الدستور المذكور أنّ "الملك مسؤول في تصرفاته للمجلس الأكبر إن خالف القانون ". ومثل هذا التقييد لسلطة الباي يعتبر على قدر كبير من الأهمية في ذلك العهد بالنسبة إلى مؤسسة " الملك" التي كانت مطلقة. لكنّ هذا الحدّ من سلطة الباي ظلّ نسبيا، إذ بقيت صيغة ارتقائه إلى سدّة الحكم بالوراثة مثلما أكّد ذلك الفصل الأوّل من دستور 1861 الذي ينصّ على أن "أكبر هذا البيت الحسيني هوالذي بتقدّم لولاية المملكة عند انقضاء سلفه على عادة آله المقرّرة المألوفة ولا يتقدّم صغير على كبير إلاّ بعذر يعجزه عن خدمة المملكة" .

 

كما ظلّ الباي يمثّل أعلى سلطة إدارية في البلاد. فهو الذي يعيّن من يريد في الوظائف العليا. وهو الذي يعزل وهو الذي يتمتّع بالسلطة الترتيبية العامّة، وفقا لما نصّ عليه الفصل الرابع عشر من دستور 1861 إذ أقرّ " للملك أن يقلّد رياسات خدمته لمن شاء من متأهلي أهل المملكة بحسب ما يظهر له ، وله أن ينزع تلك الرياسة متى شاء بغير ذنب. أمّا إذا كان التأخّر لذنب يجري العمل كما في الفصل 63"

 

كما نصّ الفصل السادس عشر على أن " للملك تعيين جميع الوظائف واصدار الترتيب والأوامر الضرورية لتنفيذ القانون".

 

منح بعض الصلاحيات للوزير الأكبر وللوزراء

 

أعطى دستور 1861 بعض الصلاحيات للوزير الأكبر

ومنحه - في إطار سلطة الباي - نفوذا على عديد الوزارات التي تعود إليه بالنظر وأهمها وزارة المالية ووزارة الخارجية ووزارة البحرية ووزارة الحرب ... كما منح دستور 1861 بعض الإختصاصات للوزراء مثلما يتبيّن ذلك من الفصل 33 الذي أقرّ"تصرّف الوزير ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم له الرخصة في تنفيذه من غير إذن خاصّ من الملك في جزئياته لدخوله في عموم خدمته وقسم يعرضه على الملك وقسم يلزم عرضه على المجلس الأكبر عن إذن الملك".

 

هذا أهمّ ما جاء به دستور 161 في جال تنظيم السلطة التنفيذية والإختصاصات الإدارية.

 

إ قرار سلطة تشريعية

 

أمّا في المجال التشريعي فقر أقر دستور 1861 سلطة تشريعية تتمثل في "المجلس الأكبر" . وقد بيّن الفصل 44 من الدستور تركيبة هذا المجلس الذي يتكون من ستين عضوا يعيّنهم الباي كما يعين رئيس المجلس وكاهيته بمقتضى أحكام الفصل 57 من الدستور.

 

أمّا وظائف المجلس لأكبر فقد ضبطت في الفصول العشرة التي يشتمل عليها الباب السابع من الدستور وعنوانه " في أصل خدمة المجلس الأكبر"

وأهم هذه الوظائف وضع القوانين وتنقيحها وشرحها وتأويلها والموافقة على الأداءات ومراقبة الوزراء ودرس مشروع الميزانية. وتبرز هذه الوظائف مدى شمولية اختصاصات المجلس الأكبر التي كانت في المجلس الأكبر التي كانت في الوقت نفسه تشريعية ومالية وقضائية وإدارية، بما يؤكد أهمية دور هذه المؤسسة التي كانت القطب الذي يدور حوله الباي والوزير الأكبر والوزراء والقضاة.

 

   
 
 

© جميع حقوق النشر محفوظة - مجلس النواب التونسي