الدستور في تونس منذ القديم إلى اليوم
       دستور قرطاج ونظامها السياسي  
   
   
 

منذ فجر التاريخ عرفت تونس أشكالا متعدّدة ومتنوعّة من التنظيمات السياسية لعلّ من أبرزها ما نقلته إلينا المراجع اليونانية واللاتينية حول بعض ملامح النظام السياسي والمدني في قرطاج. فقد أكّد العديد من المؤرخين أنّ هذه المدينة عرفت بعض المؤسسات الدستورية منذ القرن الرابع قبل الميلاد. وفي هذا إبراز لريادة الدولة القرطاجنية في مجال تنظيم الحياة السياسية والمدنية وتطويرها. فحضارة قرطاج تعدّ من بين الحضارات القليلة التي كرّست المفهوم الجمهوري لنظام الحكم في تلك العهود.

 

وقد انبهر قدماء الفلاسفة بدستور قرطاج واعتبروه من أهمّ الدساتير المعروفة آنذاك. كما أولى الفيلسوف اليوناني أرسطو اهتماما خاصّا للنظام السياسي في قرطاج إذا بدا له قريبا جدّا من المثال الذي يتصوّره في تنظيم الحياة السياسية. وقد قام بتحليل هذا النظام في الفصل الحادي عشر من المجلّد الثاني من مؤلفه المشهور " في السياسة "، وانتهى إلى اعتباره من بين الأنظمة الديمقراطية المعروفة في تلك الفترة مثل نظـام لاسيديمون

(Lacédémone ) ونظام جزيرة كريت (Crête) . وقد أكّد أرسطو أن النظام السياسي في قرطاج لم سيمح للأرستقراطية بالتحكّم التام في السلطة والسيطرة الكلية على دواليب الدولة، كما قيّد سلطة الملك ووضع حدا لاستمرارية السلالة الحاكمة وحوّل البعض من مشمولاتها إلى الغير.

  خصائص دستور قرطاج ومبادئه :
 

يتميّز دستور قرطاج بالقيام على مجموعة من المبادئ الجوهرية نذكر منها حقّ الإنتحاب وتكريس مبدإ انتخاب الملوك أو الحاكم وقادة الجيش والقضاة فضلا عن ضمان حقّ المواطن في العمل وحقّ الملكية.

 

وقد نظم دستور قرطاج الحياة السياسية في البلاد باعتماد ثلاثة مؤسسات هي على التوالي :

 

مجلس الحكم

 

ويتكون من حاكمين سوفيط ( Suffètes) يتمّ تعيينهما في بداية كلّ سنة من بين كبار رجالات الدولة وتوكل إليهما صلاحيات الإشراف على شؤون الدولة والإدارة العامة.

 

ويتبين هذا من خلال أنّ الحكم ليس حكرا على عائلة كما أنه ليس من حق جميع المواطنين . إنّما هو موقوف على أفراد الطبقة الراقية.

مجلس الشيوخ أو مجلس القدماء

 

يتكوّن هذا المجلس من ثلاث مائة عضو ويجتمع بصفة علنية للنظر في القضايا التي تهمّ شؤون الدولة. ويناقش المسائل المتعلقة بالحرب والسلم ويتقبل الرسائل من الدول الأجنبية ومن قادة جيوش الأعداء. كما يتحمل مسؤولية إيفاد المبعوثين المحملين برسائل إلى الدول المعادية لقرطاج ويتولى مجلس الشيوخ أيضا إدارة العمليات الحربية.

 

أمّا في مجال الشؤون الداخلية، فقد كان المجلس يتخذ القرارات المتعلّقة بأمن الدولة وكلّ الصراعات التي من شأنها إضعاف السلطة. وللمجلس أيضا صلاحيات تهمّ الضرائب والمداخيل العمومية وكيفية صرفها فضلا عن مراقبة الإدارة المالية.

 

مجلس الشعب أو مجلس المواطنين

من خصائص النظام السياسي في قرطاج أنّه منح مجلسي الحكم والشيوخ حق أخذ القرار في جميع المسائل دون الرجوع إلى مجلس الشعب شريطة أن يتمّ ذلك بالإجماع . وفي حالة عدم حصول هذا الإجماع فإنّ القرار يرجع إلى مجلس الشعب، الذي له صلاحيات الإذن بكلّ ما يراه صالحا دون اعتبار لمقترحات مجلسي الحكم والشيوخ . ولمجلس الشعب أيضا صلاحية النظر في انتخاب الحكام والولاة وقواد الجيش.

   
 
 

© جميع حقوق النشر محفوظة - مجلس النواب التونسي